عودة الروح إلى المهرجانات الشعبية

عودة الروح- إلى المهرجانات الشعبية
منذ أربعين عاما تقريبا انقطع المجتمع السوري وبشكل تدريجي عن قيام المهرجانات الشعبية , وأضحت كل المناسبات تحددها جهات مسؤولة وبقرار وإشراف منها , فوجدت فئة محدودة مستفيدة ماديا ومعنويا من هذه الخطوة وتبعاتها . ومن ابرز صفات هذه الفئة التطفل والتسلق ولا تؤمن حتى بما تقوم به , وبالأصل غير مؤهلة ولا تملك رؤية وغير قادرة على تحويل هذه المناسبات إلى أعراس شعبية بكل معنى الكلمة , أي مناسبة للجميع ويشارك فيها الجميع.
ونتيجة لهذا الانقطاع الطويل ,وإقصاء من احترف العمل الجماهيري والشعبي , أصبح جيل بالكامل لا يملك خبرة تنظيم هذه المناسبات , وبغياب الجهات المختصة والمحترفة للتنظيم ,أضحت معظم مهرجاناتنا الشعبية تفتقد الخبرة المتطورة والمتراكمة التي افتقدت منذ ذلك التاريخ .
إن عودة المهرجانات الشعبية ,بحد ذاته نوع من عودة الروح إلى الحياة الاجتماعية الشعبية وتجاوز فترة النكد وكتابة التقارير لمن حضر ومن لم يحضر , من صفق ومن لم يصفق , وبالتالي خلق هذا الأسلوب شرخ اجتماعي كبير حتى بين أفراد العائلة الواحدة . وما وجدناه في مهرجان الروضة الديني الشعبي كان ثمرة للتفكير المشترك وتعبيرا بالعمل المشترك وتكريسا للعيش المشترك .

مناسبات المهرجان:
للعام الثاني على التوالي , يحتفل أهالي قرية الروضة بمهرجان (كنيسة القديس جاورجيوس) لما للكنيسة القديمة من معنى , ولما لهذه الشخصية الدينية من رمز لمعاني القدسية والقوة والتضحية . وهذه الشخصية موجودة عند المسلمين باسم (السيد الخضر) شفيع الضعفاء ونجدتهم عند المخاطر .

في لقائي مع احد الناشطين في هذا المجال وهو عضو في مجلس رعية الكنيسة ( طوني أبو عيسى )مدرس فيزياء قال: لحرصنا على إظهار وجه الضيعة ,قمنا بإنشاء موقع على الانترنت وترجمته إلى أربع لغات الألمانية – اليونانية – الانكليزية وطبعا العربية, كان هدفي إذا تم تواصلنا مع العالم من خلال هذه القرية الصغيرة نحن نكبر في سوريا . وهناك الكثير من الأجانب تعرفوا على سوريا من خلال مواقع مثل (مارمريتا ) ومهرجان المشتى الذي تحول قسم منه إلى ملتقى النحت العالمي . حاولنا أن نعكس ذلك على ضيعتنا وفكرنا بيوم مناسبة لهذا العمل , في 3\11\ من كل عام يحكم عيد نقل رفاة القديس جاورجيوس , في العام الماضي أتينا بالرفاة من ( اللد ) في فلسطين من قبل الكنيسة اليونانية ودرنا به في شوارع القرية ويدعى ( زياح ) . في هذا العام قمنا بما يعرف( زياح ايقونات ) في العام القادم ستصبح الكنيسة في عيدها ال150 , فحاولنا القيام بعمل فيه شئ اجتماعي يجذب الإعلام إليه وتم الاتصال بلجنة كتاب (غينيس للأرقام القياسية) .

لماذا السوركي :
في الاتصال مع لجنة كتاب غينيس سألوا عن ما يميز القرية شعبيا , وبالعودة إلى تاريخ وتراث الضيعة وجدوا بان هذه القرية الوديعة الصغيرة كانت متميزة بصناعة قرص السوركي , وباعتبارها مطلة على البحر وعلى طريق اللاذقية طرطوس دمشق كان المسافرين سابقا يغتنمون الفرصة للمرور بالقرية لشراء السوركي . واشتهرت هذه القرية بصناعة هذه المادة .والحدث عند غينيس له تطبيقات . وفي حال الموافقة المبدئية وكان الحدث مصنف . تبعث المواصفات المطلوبة , وكان المطلوب القرص زنة 200 كغ. محيطه298سم . ارتفاعه 46سم.وخلال خمسة أيام كانت لوحة الضيعة لم يظهر لها مثيل في تاريخها :اجتماع الأهالي المتواصل – العمل الجماعي لكل شيء – حملات التنظيف – عملية التزيين والتركيب – أصبحت الضيعة خلية نحل – كان الجميع يصلي لنجاح المهرجان وألان الجميع يصلي لدخول الروضة كتاب غينيس.

وأمام وكالات أنباء محلية عربية وأجنبية وجريدة قاسيون وبحضور ديني ورسمي تم عرض قرص السوركة ,وكانت الفكرة تقديم قسم من القرص الى كروب سياحي سيتوافق قدومهم عن طريق البحر الى الروضة لكنه لم يتم . لذلك وزع قسم منه إلى أيتام مار تقلا في معلولا للإناث. وقسم منه الى أيتام دير القديس غريغاريوس في حمص للشباب وقسم منه إلى سجناء السجن المركزي . والقسم الأخر وزع على الحضور . واختتم المهرجان بأكلة شعبية تراثية اشتهر بها الساحل السوري عبر التاريخ وما زالت وهي (الهريسة) أي القمح المقشور المطبوخ مع لحم الدجاج . فكان المقصود بالمناسبة (دينيا ) عودة رفاة القديس جاورجيوس إلى حضن أمه سوريا (وشعبيا) دخول اسم سوريا في كتاب غينيس للأرقام القياسية من هذا الجانب ,وبالمناسبة دشنت كاتدرائية القيامة وهي ثاني كاتدرائية بعد القدس بهذا الاسم .

في الذاكرة :
لقد كان مهرجان الروضة مهرجان شعبي بامتياز , الجميع عملوا فيه والجميع همهم كان نجاحه وسروا جدا بنتائجه .وان كان الوقت قصير للتحضير له لكن اجتماع اللجنة مباشرة ومناقشتها للعمل بايجابياته وسلبياته ,لدليل جيد على إمكانية تقديم عمل انجح وأفضل في السنوات القادمة . إن الروح الدمثة والأسلوب الحضاري الذي ميز القائمين على المهرجان كان نقلة نوعية في مدى حضارية المواطنين والقائمين على ذلك . اذكر في عام 1989 حضرت مهرجانا عالميا في برلين وفي إحدى الحفلات الغنائية شبهت تدفق الشباب والشابات إلى الموقع (بجموح الفوضى) لهذا الجيل ومدى صعوبة (كبحه)من قبل اللجان المنظمة, إن هذا الجيل الجامح والصعب (كبحه) كان في الروضة هو من يقوم بعملية التنظيم في المهرجان بكل حضارة ورقي .وأصبح المغتربون من أهالي الروضة يتزامن عودتهم إلى الوطن في هذه المناسبة , وما يؤكده اتصال احد المغتربين بلجنة التنظيم قائلا لهم: شكرا لكم لقد خرجتم بالروضة من نفق الظلام إلى النور .
وهذا ما يؤكد لنا إن ثروتنا من المواهب الثمينة والكفاءات المثمرة لكبيرة , وان حظوظنا من تلك المعادن النفيسة لا تقل عن مثيلاتها لدى الدول العظمى ,كل ما هنالك غيرنا انتفع بما يملك وأتاح الفرصة لبقائه ونمائه .
محمد سلوم